ابراهيم بن عبد الرحمن بن أبي بكر الأزرق

130

تسهيل المنافع في الطب والحكمة

الفصل السابع في تدبير الأهوية قال صاحب كتاب الرحمة - عفا اللّه عنه - : اعلم أن الجسم لا يخلو من ملاقاة الهواء ؛ لأن الروح والسمع والبصر لا عمل لهن إلا باتصالهن بالهواء ، خصوصا الروح لا قيام لها في البدن إلا استنشاقات الهواء الذي قدر اللّه فيه حياتها فهي مادتها وغذاؤها ، كما أن الطعام غذاء الأجسام . والأصلح من الهواء : الشرقي وهو الصبا المعتدل اللذيذ المستنشق خصوصا من الروائح الطيبة ، ففيه راحة عظيمة ونفع قوي للروح والجسد ، فهذا هو الهواء الصالح ، وأما الجنوب والشمال والدبور ، فما اعتدل منهن من كثرة الحر والبرد والقوة فهو صالح ، وإن كان دون الأول لأنه لابد له من بلاء فيه . ولا خير في الريح العظيمة والعواصف والدخان المتعكر والروائح النتنة ، وما خرج من حد الاعتدال بحر وبرد ، وكل ذلك مضر بالروح ، وربما خرجت في بعض ذلك من الجسد ، فينبغي التوقي منه بالكتان ، وشم الروائح الطيبة ، فهذا هو القدر الأصلح من تدبير الأهوية ، انتهى كلامه . وقال المارديني في الرسالة : أجود الأهوية : الصبا والدبور ، وأردؤها الشمال والجنوب ، انتهى ، قلت : وهذه الرياح الأربع هي أمهات الرياح ، والصبا مقصور غير ممدود ، وهي تهب من مشرق الاستواء وهو من مطلع الشمس في زمن الاعتدال ، ويقال لها : القبول ، والدبور مقابلها ، وهي الريح الشامية ، وهي تهب من ناحية القطب الأعلى ، والجنوب هي الريح اليمانية الأريب وهي تهب من ناحية سهيل كما قاله أهل اللغة . وقال بعضهم : الريح القبول هي الريح الشرقية ، وهي تهب من مطلع الشمس إلى مطلع سهيل في اليمن ، والدبور تهب من مغرب الشمس إلى بنات نعش ، وتهب الجنوب من مطلع سهيل إلى مغرب الشمس ، وتهب الشمال من بنات نعش إلى مطلع الشمس ، وإنما قيل : للشرقية قبولا لأنها قبل بيت المقدس ، وقيل للشمال : شمال لأنها شمال بيت المقدس ، فهذه أربع ، كل ريح انحرفت من هذه الأمهات الرياح الأربع ووقعت بين